التانغو الأخير.. ميسي يُطفئ القنديل في المونومنتال

ا عشرون عامًا من الركض خلف حلمٍ تأخّر، ثم جاء كاملًا. غدًا لا تودّع الأرجنتين لاعبًا، بل تودّع حقبة من عمرها.

بقلم: د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport

غدًا سيقف ليونيل ميسي في المونومنتال كما يقف الشاعر أمام قصيدته الأخيرة. يعرف أن الأبيات قيلت كلها، وأن ما بقي هو التوقيع.

لن تكون بنين خصمًا بالمعنى الذي تعرفه كرة القدم. ستكون شاهدًا على لحظة لا علاقة لها بالنتيجة ولا بالترتيب ولا بالأهداف. ففي بعض المباريات لا تُلعب الكرة، بل يُستعاد التاريخ.

بدأ كل شيء بطردٍ.. وانتهى بالتاج

في أغسطس 2005 دخل فتى في الثامنة عشرة إلى ملعب في بودابست، وخرج بعد نحو دقيقة ونصف ببطاقة حمراء وبكاءٍ في غرفة الملابس. لم يكن أحد يتخيّل أن ذلك الفتى المرتبك سيصبح بعد عقدين اللاعبَ الأكثر خوضًا للمباريات في تاريخ منتخب بلاده، بـ207 مباريات، وهدّافه الأول بلا منازع.

لكن الطريق بين بودابست والدوحة لم يكن مفروشًا بالورد. كان مرصوفًا بالنهائيات الضائعة: كوبا أمريكا 2007، ومونديال 2014 في ماراكانا، ثم نهائيا 2015 و2016 أمام تشيلي. وفي ليلة نيوجيرسي عام 2016 قالها صريحة: "انتهى الأمر بالنسبة لي مع المنتخب". كانت الأرجنتين يومها تحاسبه بقسوة. قالوا إنه لاعب برشلونة لا لاعب الأرجنتين، وإنه لا يغنّي النشيد، وإنه لا يملك قلب مارادونا.

ثم عاد. وهذه هي الجملة التي تختصر ميسي: لقد عاد.

الرجل الذي غيّر روايته بنفسه

ما بين 2021 و2024 كتب ميسي فصلًا لم يكتبه أحد قبله. بدأ بكوبا أمريكا في ماراكانا، الملعب نفسه الذي جرحه قبل سبع سنوات، ثم جاءت الفيناليسيما، ثم ليلة لوسيل في ديسمبر 2022، حين رفع الكأس التي طاردته طوال عمره، ثم كوبا أمريكا ثانية في 2024.

لم يكن ذلك تتويجًا فحسب، بل كان ردًّا متأخرًا على كل من قال إنه لا يصلح قائدًا. ميسي الذي اتُّهم بالصمت صار يصرخ في وجه المنافسين، وميسي الذي قيل إنه لا يحمل الأرجنتين على كتفيه حملها حتى آخر نهائي.

صيف 2026: الهزيمة التي لم تنقص شيئًا

في مونديال أمريكا، وهو في التاسعة والثلاثين، سجّل ثمانية أهداف وصنع أربعة، وقاد الأرجنتين إلى النهائي. خسر أمام إسبانيا بهدف في الوقت الإضافي، وبكى في ميتلايف كما بكى قبل عشر سنوات على بُعد أميال من الملعب نفسه.

لكن الفرق بين الدمعتين هائل. دمعة 2016 كانت دمعة رجل يظن أنه فشل، أما دمعة 2026 فكانت دمعة رجل يعرف أنه أدّى ما عليه وزيادة. لم تكن خسارة النهائي نقصًا في الإرث، بل كانت نهاية إنسانية لقصة لم تكن يومًا قصة آلة.

مهما اختلفنا عليه

سيبقى الجدل حوله قائمًا، وهذا من طبيعة الكبار. هناك من يراه الأعظم في التاريخ، ومن يقدّم عليه مارادونا أو بيليه أو كريستيانو، ومن يحاسبه على ما أُعطي من أدوار ومزايا في السنوات الأخيرة. وهذا كله مشروع.

لكن الحقيقة التي لا يملك أحد إنكارها أن جيلًا كاملًا تعلّم كرة القدم وهو يشاهده. أطفال صاروا آباء، ومراهقون صاروا رجالًا، وما زال ذلك القصير الأعسر يراوغ الزمن كما يراوغ المدافعين. والوداع لا يحتاج إلى إجماع، بل يحتاج إلى ذاكرة، وكلنا نملك من ميسي ذاكرة.

غدًا في المونومنتال

سيحضر أبطال قطر وعائلاتهم، وسيمتلئ المدرج بقمصان تحمل الرقم 10، وسيكون في الملعب لاعبون من منتخب بنين يحكون لأحفادهم يومًا أنهم كانوا هناك.

وحين يُطلق الحَكَم صافرته الأخيرة، لن ينتهي شيء في كرة القدم، لكن شيئًا فينا سينتهي. سيُطوى القميص الأزرق والأبيض المخطّط على ظهر رجل حمله عشرين عامًا، ودفع ثمنه دموعًا قبل أن يقبض ثمنه ذهبًا.

غدًا يرقص ميسي التانغو الأخير.

ونحن، مهما اختلفنا عليه، سنقف جميعًا لنصفّق.